محمد جمال الدين القاسمي
60
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
وجوه . ثم قال : وقوله تعالى وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ كلمة تعجب . أي لأيّ وجه ولأيّ معنى تفعلون هذا ؟ فإنها بذلت نفسها لك وجعلت ذاتها لذّتك وتمتعك ، وحصلت الألفة التامة والمودة الكاملة بينكما ، فكيف يليق بالعاقل أن يسترد منها شيئا بذله لها بطيبة نفسه ؟ إن هذا لا يليق بمن له طبع سليم وذوق مستقيم . الرابعة : في ( الإكليل ) استدل بهذه الآية من منع الخلع مطلقا . وقال : إنها ناسخة لآية البقرة . وقال غيره : إن هذه الآية منسوخة بها . وقال آخرون : لا ناسخ ولا منسوخ بل هي في الأخذ بغير طيب نفسها انتهى . أقول : إن القول الثالث متعين . لأن كلّا من آيتي البقرة وهذه في مورد خاص يعلم من مساق النظم الكريم . وذلك لأن قوله في البقرة : فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُناحَ عَلَيْهِما فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ [ البقرة : 229 ] - صريح في أن الزوجة إذا كرهت خلق زوجها أو خلقه أو نقص دينه أو خافت إثما بترك حقه ، أبيح لها أن تفتدي منه وحلّ له أخذ الفداء مما آتاها ، لقوله تعالى ثمّ : وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً إِلَّا أَنْ يَخافا أَلَّا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ ، فَإِنْ خِفْتُمْ [ البقرة : 229 ] إلخ . والحكمة في حل الأخذ ظاهرة . وهي جبر الزوج مما لحقه من ضعة اختلاعها له وهيمنتها حينئذ عليه ، واسترداد ما لو أخذ منه ، لكان في صورة المظلوم . لأنه لم يجنح للفراق ولا رغب فيه . فكان من العدل الإلهيّ أن لا يجمع عليه بين خسارتي التمتع والمال . وأما هذه الآية فهي في حكم آخر . وهو ما إذا أراد استبدال زوجته لطموح بصره إلى غيرها من غير أن تفتدي منه ، أو ترغب في خلع نفسها منه ، فيضن بما آتاها ويأسف لأن تحوزه وهو لا يريدها وليس لها في نفسه وقع ، فعزم عليه أن لا يأخذ مما أصدقها شيئا قط بعد الإفضاء . لأنه لو أبيح له الأخذ حينئذ لكان ظلما واضحا . لأنه أخذ بلا جريرة منها . فكان في إبقاء ما في يدها مما آتاها جبر لما نابها من ألم الإعراض عنها واطراحها ، رحمة منه تعالى ، وعدلا في القضيتين . فالقائل بالنسخ فاته سر الحكمين . وليت شعري ماذا يقول في الحديث المرويّ في البخاري « 1 » وغيره ، وهو قوله صلى اللّه عليه وسلم لامرأة ثابت : « أتردّين عليه حديقته !
--> ( 1 ) أخرجه البخاريّ في : الطلاق ، 12 - باب الخلع وكيفية الطلاق منه ، حديث 2153 ونصه : عن ابن عباس أن امرأة ثابت بن قيس أتت النبيّ صلى اللّه عليه وسلم ، فقالت : يا رسول اللّه ! ثابت بن قيس ، ما أعتب عليه في خلق ولا دين ، ولكني أكره الكفر في الإسلام . فقال رسول الله صلى اللّه عليه وسلم : « أتردين عليه حديقته ؟ » قالت : نعم . قال رسول الله صلى اللّه عليه وسلم : « أقبل الحديقة وطلقها تطليقة » .